الشوكاني

101

فتح القدير

وقوة الأبدان وقد أهلكناهم جميعا ، فإهلاككم وأنتم دونهم بالأولى . قوله ( وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) يريد المطر الكثير ، عبر عنه بالسماء ، لأنه ينزل من السماء ، ومنه قول الشاعر : * إذا نزل السماء بأرض قوم * والمدرار صيغة مبالغة تدل على الكثرة كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ، وميناث التي تلد الإناث يقال در اللبن يدر : إذا أقبل على الحالب بكثرة وانتصاب ( مدرارا ) على الحال ، وجريان الأنهار من تحتهم معناه من تحت أشجارهم ومنازلهم : أي أن الله وسع عليهم النعم بعد التمكين لهم في الأرض فكفروها ، فأهلكهم الله بذنوبهم ( وأنشأنا من بعدهم ) أي من بعد إهلاكهم ( قرنا آخرين ) فصاروا بدلا من الهالكين ، وفى هذا بيان لكمال قدرته سبحانه وقوة سلطانه وأنه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء . قوله ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) في هذه الجملة بيان شدة صلابتهم في الكفر ، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله على رسوله كتابا مكتوبا في قرطاس بمرأى منهم ومشاهدة ( فلمسوه بأيديهم ) حتى يجتمع لهم إدراك الحاستين : حاسة البصر ، وحاسة اللمس ( لقال الذين كفروا ) منهم ( إن هذا إلا سحر مبين ) ولم يعلموا بما شاهدوا ولمسوا ، وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس ، فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة ملك لا يرونه ولا يحسونه ؟ والكتاب مصدر بمعنى الكتابة ، والقرطاس : الصحيفة . قوله ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) هذه الجملة مشتملة على نوع آخر من أنواع جحدهم لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم وكفرهم بها : أي قالوا هلا أنزل الله عليك ملكا نراه ويكلمنا أنه نبي حتى نؤمن به ونتبعه ؟ كقولهم - لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا - ( ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ) أي لو أنزلنا ملكا على الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم ( لقضي الأمر ) أي لأهلكناهم إذ لم يؤمنوا عند نزوله ورؤيتهم له ، لأن مثل هذه الآية البينة ، وهي نزول الملك على تلك الصفة إذا لم يقع الإيمان بعدها فقد استحقوا الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة ( ثم لا ينظرون ) أي لا يمهلون بعد نزوله ومشاهدتهم له ، وقيل إن المعنى : إن الله سبحانه لو أنزل ملكا مشاهدا لم تطق قواهم البشرية أن يبقوا بعد مشاهدته أحياء ، بل تزهق أرواحهم عند ذلك فيبطل ما أرسل الله له رسله وأنزل به كتبه من هذا التكليف الذي كلف به عباده - لنبلوهم أيهم أحسن عملا - . قوله ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) أي لو جعلنا الرسول إلى النبي ملكا يشاهدونه ويخاطبونه لجعلنا ذلك الملك رجلا . لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي خلقه الله عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجسام بني آدم . لأن كل جنس يأنس بجنسه ، فلو جعل الله سبحانه الرسول إلى البشر أو الرسول إلى رسوله ملكا مشاهدا مخاطبا لنفروا منه ولم يأنسوا به ، ولداخلهم الرعب وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته ، هذا أقل حال فلا تتم المصلحة من الإرسال . وعند أن يجعله الله رجلا : أي على صورة رجل من بني آدم ليسكنوا إليه ويأنسوا به سيقول الكافرون إنه ليس بملك وإنما هو بشر ، ويعودون إلى مثل ما كانوا عليه . قوله ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك ، فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه قال الزجاج : المعنى للبسنا عليهم ، أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم ، وكانوا يقولون لهم : إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق . فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم ، فأعلم الله عز وجل أنه لو نزل ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون . واللبس : الخلط ، يقال لبست عليه الأمر ألبسه لبسا : أي خلطته ، وأصله التستر بالثوب ونحوه ، ثم قال سبحانه مؤنسا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ومسليا له ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ) يقال : حاق الشئ يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا